احمد ياسوف

40

جماليات المفردة القرآنية

وجعل بلاغة القرآن في عشرة أقسام ، مثل : التشبيه والتلاؤم والإيجاز ، وهو لا يذكر النظم صراحة مثل معاصره الخطّابي . وكذلك كان القاضي عبد الجبار صاحب « المغني في أبواب التوحيد » قد ذكر النظم في قالب فكري نتجاوزه لضيق البحث هنا « 1 » . ولا نحبذ سرد آراء سائر دارسي الإعجاز ، فقد لحظوا في انتقاء القرآن ما أدهشهم ، ويكفينا اتخاذ نماذج حول هذه الثنائية : المفردة والنظم ، لأن الكثير كانوا على شاكلة الخطابي ، حيث يكون القول الأساسي بالنظم ، ومن ثم نتلمس إمعانا جيدا في المفردة من غير أن ينكروا النظم ، وهو المنهج الحق . ولا بأس أن نعرض للباقلاني « 2 » الذي يوحّد بين المفردة والنظم ، وإن كان يبهم أحيانا ، فهو يقول بالنظم متأثرا بالجاحظ في أن الكلمات عادية ، وأن الإعجاز يكون في سباكة هذه الكلمات وصياغتها ، وفي أواصرها ، وذلك على اختلاف المصطلح بين ربط ونظام ، وإذ جاء في كتابه عن اختيار الكلمة في النص القرآني : « هو أدق من السحر ، وأهول من البحر ، وأعجب من الشعر ، وكيف لا يكون ذلك ، وأنت تحسب أن وضع الصبح موضع « الفجر » يحسن في كل كلام ، إلا أن يكون شعرا أو سجعا ، وليس كذلك فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع ، وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى ، بل قد تتمكن فيه » « 3 » . ولا يمكن أن نستشفّ منه رأيا في تأكيد أهمية المفردة ، فهو لا يسير على وتيرة واحدة ، إذ لا يقدم شواهد بشكل مباشر ، وفي المكان نفسه ، ويظل مفهوم المفردة مبهما عندما نقرأ في كتابه إعجابه بقوله تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ « 4 » ،

--> انظر الأعلام : 2 / 684 . ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار في الجزء السادس عشر من مؤلفه « المغني في أبواب التوحيد » . ( 2 ) الباقلّاني : هو محمد بن الطّيّب قاض من كبار علماء الكلام ، انتهت إليه الرّئاسة في مذهب الأشاعرة ، ولد في البصرة ، وتوفي في بغداد سنة 403 ه ، من كتبه « إعجاز القرآن » و « الإنصاف » و « تمهيد الدلائل » وغيرها . انظر الأعلام : 3 / 455 . ( 3 ) الباقلاني ، إعجاز القرآن ، ص / 184 . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 96 .